Modern life

Once upon a time…

Drawn from: anywhere in the world, Present world story, Guide, Man vs Self Conflict. Told in Arabic.

كنا خمسة عندما خرجنا من عمّان فجراً إلى جبال عجلون: أنا (سيف)، ومها، وطارق، وسندس، ويوسف. كنا نُسمي أنفسنا على سبيل المزاح “نادي السبت”، لأننا نجتمع كل سبت لنكسر رتابة الأسبوع بمغامرة قصيرة: مشي جبلي، تسلق صخور، زيارة قرية قديمة. لكن ذلك السبت كان مختلفاً؛ لم يكن أيٌّ منا يعرف أنه سيكون اختباراً لنفوسنا أكثر مما هو للطبيعة.

كانت الخطة بسيطة: نركن السيارة قرب قرية راجب، نسلك درب الوادي حتى شلال الماء، نلتقط صوراً، نغمس أقدامنا في البِركة، ثم نصعد الدرب الوعر إلى سطح الهضبة حيث أشجار البلوط والصنوبر، ونرجع قبل الغروب. مسار معروف، وطقس مشمس، ومعنا خرائط على الهاتف، وزجاجات ماء، وبعض التمر، وسندويشات جبن وخيار.

يوسف كان قليل الكلام منذ ركب معنا. لاحظته وأنا أقود: نظراته إلى الخارج، انشغاله بالسماء، وابتعاده عن مزاح طارق الذي لا يتوقف. يوسف كان معنا منذ سنوات في النادي، لكنه تغيّر في الأشهر الأخيرة. تغيّرَتْ نبرته وأوقاته. كان يعتذر كثيراً، يتأخر كثيراً، يتلاشى من الصور كأنه لا يريد أن يُرى. علمنا على نحوٍ مبعثر أنه فقد عمله في شركة برمجيات بعد تسريح جماعي، وأن والدته مرضت، وأنه يعيش وحده الآن في شقة صغيرة في جبل الحسين. لم يكن يتحدث عن ذلك مباشرة، لكنه كان يترك حواف الكلام تكشف عمّا في الوسط.

تركنا السيارة عند طرف الطريق الإسفلتي، وبدأنا بالنزول في الدرب الترابي. كانت الأرض تفوح منها رائحة الطين الدافئ. كان مجرى الماء ضيقاً لكنه يغني بأصوات صغيرة، ونسيم الصباح ينساب بين الأشجار. مها كانت تقود بخطوات محكومة، تحمل عصاً طويلة. سندس تضحك وتُعلّق على كل شيء: على السحابة التي تشبه سمكة، على الحشرة التي تحاول الصعود فوق حبة حصى، على رائحة الزعتر البريّ. طارق، كالعادة، يمشي أمامنا ثم يعود إلينا جرياً ككلب مرح. أما يوسف فسار بيني وبينه مسافة، لا يلحق بنا ولا يبتعد كثيراً.

وصلنا إلى الشلال قبل العاشرة. كان الماء يتساقط على صخور داكنة، وفي الأسفل بِركة صغيرة تتلألأ تحت الشمس. جلسنا في الظل. خلع طارق حذاءه وقميصه وقفز في الماء وهو يصرخ. ضحكنا جميعاً، حتى يوسف ابتسم. أخرجت مها كيس الدبس والخبز، وبدأنا نفرد الطعام. بعد لقيمات، لمحت يوسف واقفاً عند طرف البركة، ينظر إلى الماء، كأنه داخله يُحاوِره.

قلت له: “بدك تنزل؟ بارد شوي بس ممتع.”

هزّ رأسه وقال: “لا، بدي أمشي شوي لفوق. برجع كمان شوي.”

قلت: “لا تِبعد. بعد الشلال الطريق يتشعب. خليك قريب.”

قال: “بعرف. بس دقيقة.”

راقبناه يبتعد على صخرة مبتلة ثم يصعد باتجاه حافةٍ من الحجارة تنفتح إلى دربٍ جانبي يصعد بين شجيرات قصيرة. قلت لطارق: “روح شوفه.” قال: “خلّيه. زلمة كبير.”

أكملنا طعامنا، لكنني لم أستطع أن أُخرج يوسف من رأسي. مرّت عشر دقائق، ثم خمس عشرة. نهضتُ. قالت سندس: “وين؟” قلت: “رايح أطل عليه.”

ظهرت آثار حذائه على التراب الرطب، تتجه إلى الممر الذي يتلوى بين الصخور. سرتُ ببطء. بعد عدّة منعطفات، صرتُ أسمع حفيفاً، وكأنَّ أحداً يمرر يده على الأعشاب. ثم رأيته: كان واقفاً على صخرة عالية، ينظر إلى الوادي تحت. لم يكن على حافة خطرة، لكن وقوفه كان منكسراً، كتفيه متهدلين.

ناديت: “يوسف!”

التفت بابتسامة باهتة.

قلت وأنا أقترب: “شو في؟ ليش ما رجعت؟”

قال: “حبيت أشوف المنظر من فوق. بحب الارتفاعات.”

وقفت إلى جانبه. كان الهواء متحركاً يجيء ويذهب. الوادي تحته اتسع ككفّ مفتوحة، الشلال بعيداً يلمع كخيط فضة. قلت: “حلو. بس لا تُرهق حالك. لسه عندنا صعود طويل بعدين.”

سكت قليلاً، ثم قال دون أن ينظر إلي: “بتعرف... مرات الواحد بيحس إنه عالق. مش لأنه ما في طرق، بس لأنه مهما مشى، بيضل واقف بنفس المكان.”

لم أردّ فوراً. شعرت بجملته كحجر يُلقى في بركة صامتة.

تابع: “بصراحة... مش عارف شو بعمل هون.” ثم ضحك ضحكة قصيرة: “مش هون بالوادي. هون... بالحياة.”

عرفت أنني وصلتُ إلى منعطفٍ لا مكان فيه لِعبارات التشجيع الجاهزة. قلت: “بدك نحكي؟”

هز رأسه: “مو اليوم.”

سكتّ. في تلك اللحظة سمعنا صوت طارق ينادينا من تحت، ومها بصوتها الواضح: “يا جماعة! لا تبعدوا!”

قلت ليوسف: “نرجع؟”

تنفّس عميقاً وقال: “يلا.”

في طريق العودة إلى الشلال، تعثر يوسف بحجر وحاول أن يوازن نفسه، لكن قدمه زلقت قليلاً. أمسكته من ذراعه. قال: “شكراً.” شعرت بحرارته وارتجاف خفيف في جسده. لم أقل شيئاً. عندما وصلنا، كانت سندس قد أخرجت هاتفها وصارت تلتقط صوراً. طارق كان يغوص تحت الماء ثم يخرج وهو يصفّر. مها رتبت الأغراض وقالت: “يلا يا جماعة، بدنا نطلع قبل الشمس تصير عامودية.”

بدأنا الصعود إلى الهضبة. الدرب وعر، أشبه بدرج حجري عربيّ قديم مختلط بالتراب. الهواء صار أثقل، والنحل يطنّ قرب الزهور البرية. طارق كان يتقدمنا مسافة. أنا ومها في الوسط، سندس ويُوسُف يمشيان قرب بعضهما.

بعد نصف ساعة، صار الارتفاع يزيد، والأشجار تخف. الشمس تشاكس وجوهنا. توقّف يوسف فجأة وجلس على صخرة. وجهه صار شاحباً. قال: “دقيقة... نفسي ضاق.”

عدنا إليه. مها ناولته الماء. قلت: “ارتاح.” ظلّ ينظر إلى الأرض. قلتُ له: “بدك نرجع؟ ما لازم نضغط على حالك.”

قال: “لو رجعت... رح أرجع لإيش؟ للشقة؟ للحيطان؟” ثم أضاف بسرعة: “عذراً… مش قصدي أتذمر. بس... مش عارف.”

نظرت مها إليّ بنظرة مختصرة كلها سؤال. قلت: “نستنى شوي. ما مستعجلين.” طارق كان قد عاد إلينا. قال: “شو القصة؟” قلت: “منرتاح خمس دقايق.”

فتح يوسف فمه كأنه يريد أن يقول شيئاً، لكنه أغلقه. ثم رفع رأسه وقال: “أنا فشلت.” كان صوته صريحاً كجملةٍ على سطرٍ وحيد. “بتعرفوا شو يعني تقعد كل يوم تصحى مشان تقدم على وظائف وما حدا يرد؟ ما بتعرفوا كيف فجأة تصير كل غرفة كبيرة عليك، كل ثيابك تِحسّها واسعة، كل ذكرياتك تصير ثقيلة؟ حتى الجبال اللي كنا نطلعها مع بعض... صارت أحسها أبعد.”

قلنا جميعاً أشياء صغيرة من باب التعاطف، كلمات عادية، لكن شيئاً ما في وجهه قال لنا: هو لا يريد تطييب خاطر سطحي.

قالت سندس بصوتٍ متردد: “يوسف... ممكن تسألنا المساعدة؟ يعني... مش غلط.”

هزّ رأسه: “ما بدي أكون حمل.”

حينها قالت مها شيئاً بطيئاً: “مرات... أصعب مغامرة هي إنك توقف وتقول: أنا محتاج. ما حدا يطلع جبل لحاله.”

سادت لحظة من الصمت. ظلّ يوسف ينظر إلى شقّ صغير في الصخرة تحت قدميه. ثم قال: “فيه صوت براسي يقول لي: ما إلك مكان. وحتى لو طلعوا معك هالمرة، رح يتركوكي بعدين.”

قلت: “الصوت هذا... مو الواقع.” وكنتُ أعلم أن الفرق بين الجملة والواقع أحياناً يكون كلّ السماء.

قال: “أنا تعبان من القتال مع صوتي.” ثم تنفّس: “بس... أنا طالع معكم اليوم. مش راجع.”

وقف ببطء. نظرنا إلى بعض. قالت مها: “نمشي على مهلك.” تحركنا.

مع كل خطوة، بدا أن يوسف يحارب ثقلاً لا نراه. كنا نسمع أحياناً أنفاسه تسرع، ثم يبطئ. كان يحمل زجاجة الماء كأنها عصاً، ينقر بها على ركبته أحياناً، ثم يعيدها إلى جنبه. كلما صعدنا، انكشف البحر الأخضر من الأشجار، وتقلص صوت الماء تحت. الشمس طلّت علينا دون رحمة، لكن نسمةً خفيفة ضربت حين وصلنا إلى ذروةٍ صغيرة تظللها شجرة بلوط عتيقة.

جلسنا تحتها. تفرقنا كأننا قطع أحجية. طارق استلقى على ظهره وغلق عينيه. سندس فتحت كيس التمر ووزعت علينا. مها فتحت الخريطة على هاتفها: “بعد شوي بننزل من درب أسهل.”

يوسف كان ساكناً. نظر إلى يديه وقال: “أنا بخاف من التوقعات. كل مرة بوعد حالي إني رح أتحسّن... بخاف أخون الوعد.” قالها وكأنه يعترف لشيء ما أكبر منّا.

قلت: “وإذا بدل الوعد، نعمل خطة صغيرة؟ خطة تمشي خطوة خطوة؟” نظر إليّ. تابعت: “مش لازم تكون خطة كبيرة. اليوم مثلاً... هدفك إنك توصل للهضبة. وبس نوصل، هدفك إنك تأكل ساندويش. وبعدين... تنزل معنا. بكرة... يمكن تكتب سيرة ذاتية جديدة. وبعد بكرة... يمكن تحكي مع واحد تاني غيرنا. خطوة وحدة. إذا فشلت وحدة، ترجع تجربها. مو وعد كبير... تجارب صغيرة.”

مها أضافت: “وخلينا جزء من الخطة. مو بس ‘بيوم السبت’. إذا بدك، منمر عليك الثلاثاء الصبح نمشي ساعة عند السور. بدون هرولة. بس نمشي.” طارق قال بسرعة: “وأنا بجيب قهوة.” سندس رفعت يدها: “وأنا بعمل بلاي ليست موسيقى حزينة ثم فرِحة.”

ضحك يوسف ضحكة قصيرة خرجت كأنها تعبت لتخرج. ثم قال: “أخاف أحملكم.”

طارق جلس وقال بجديّة نادرة: “يا رجل... إحنا كمان محنا أقوياء دايماً. أنا الأسبوع الماضي كنت على وشك أترك شغلي بسبب ضغط، وما قلت لكم. بس شربت قهوة وضحكت وما حد فهم. كلنا عنا ثِقَل. بس لما نصعد مع بعض، الوزن يتوزع.”

كنت أراقب غيمة صغيرة تقف فوق خط الأشجار. فكّرتُ كيف أنّها تُلقي ظلّاً متحرّكاً، خفيفاً لكنه ملموس. قلت: “بدنا نضل جنبك. مو لأنك ضعيف... بل لأننا أصدقاء. وهي أصعب كلمة اليوم. لأنها مسؤولية.”

أطرق يوسف برأسه. همس: “طيب.”

فتحنا الساندويشات. أكل كلّ منا لقمتين، وشربنا ماء. بعض الوقت مرّ دون كلام. صارت الأشياء الصغيرة تتكلم بدلاً عنّا: صوت ورقة تُقلب، نملة تحمل فتات خبز، ذبابة عنيدة تلاحق ثم تهرب.

قبل أن ننهض، أخرج يوسف هاتفه. كتب شيئاً، ثم تردّد، ثم مسح، ثم كتب مرة أخرى. سألته همساً: “لوين بتكتب؟” قال: “رسالة. لطبيب كنت أشوفه زمان... بس قطعت.” نظر إلي: “يمكن أرجع.”

قلت: “قرار ممتاز.”

هزّ رأسه كمن يخاف من ثقل الالتزام. لكنه ضغط إرسال. وضع هاتفه في جيبه.

عندما بدأنا بالنزول من الدرب الأسهل، كنا نمشي في صف واحد. الأرض تشقق تحت أقدامنا بأصوات خفيفة. رائحة الصنوبر تمسك بأنوفنا. الوادي كان يبتعد، لكن أصوات الطيور تضج أقرب. بعد دقائق من المشي، تعثر طارق هذه المرة وكاد يهوي على جنبه. أمسكه يوسف من مرفقه بسرعة. ضحك طارق: “دوري.” ضحكنا.

عند ملتقى دربين، سمعنا صوتاً يأتي من الأسفل: رجل يصيح باسمٍ ما، ثم صمت. تكرر النداء. توقفنا. ظهر طفل صغير على الدرب الآخر، يحمل عصاً قصيرة، وعيناه واسعتان. قال وهو يلهث: “عمي... ضاع. كان قدام، وأنا تعبت. ما عم أعرف الدرب.” ارتبك. بدت مخاوفه تكبر في عينيه.

نظرتُ لمها. قالت بهدوء: “اسمه؟” قال: “رائد.” قلت: “وين شفتوه آخر مرة؟” أشار نحو الأسفل: “عند شجرة كبيرة مقصوصة.”

طارق قال: “نروح نشوف.” نظرنا إلى بعض بسرعة. الوقت يمضي، الشمس عالية، لكن هناك الآن إنسان يحتاج مساعدة. مع أنه درب معرّف، إلا أن الضياع فيه وارد. قلت: “مها، إنتِ وسندس خدو الطفل للحافة اللي بتطل على الوادي. من هناك الإشارة بتكون أحسن إذا احتجنا نصرخ. أنا ويوسف وطارق ننزل شوي ندوّر على رائد.”

لم يجادل أحد. قلت للطفل: “ما تخاف. انت اسمك؟” قال: “حمزة.” قلت: “يا حمزة، خليك مع البنات، رح نجيب عمّك.”

بدأنا ننزل. الدرب هنا أكثر انحداراً وأقل وضوحاً. صارت الصخور أقل ثباتاً. سمعنا صوتاً بعيداً يشبه نداء، ثم سكون. كلما نزلنا، كبرت الظلال، وصار الهواء أبرد قليلاً، وكأننا نعود إلى حضن الشجر. طارق كان ينادي: “رائد!” وأنا أردد. ثم فجأة، قال يوسف: “اسمعوا.”

توقفنا. من بين الأشجار جاء صوت خافت: “هون!” اتجهنا نحوه. وجدنا رجلاً في الأربعين من عمره، ساقه عالقة بين حجرين. وجهه مُتعب، لكنه واعٍ. قال: “انزلقت. رجلي انحشرت.” نظر إلى يوسف وقال: “مشكورين.”

نظر يوسف إلى الحجرين، ثم قال لنا: “إذا رفعنا الصغير شوي، ممكن يطلع.” قالها ببساطة ووضوح. اتفقنا بسرعة: طارق يرفع الحجر الصغير، أنا أسحب الرجل من تحت إبْطِه، يوسف يزيد الدفع عند القدم. جربنا مرة، كان الحجر ثقيلاً. قال يوسف: “على ثلاثة. واحد... اثنين... ثلاثة!”

شدّ طارق، دفعتُ، دفع يوسف بقوة مركّزة عند موضع القدم. خرجت رجل الرجل فجأة، وتكوّر هو على الأرض وهو يصرخ. جلسنا. قال يوسف: “بتحس شي مكسور؟” قال رائد: “لا... بس الألم قوي.” تحسسنا الساق: لا انتفاخ شديد. قال طارق: “تقدر توقف؟” بمساعدة، وقف. قال: “بطيء... بس بقدر.”

قلت: “في ابن أخوك فوق. هلّا منطلع سوا شوي شوي.” رائد قال: “الله يجزيكم الخير.”

بدأنا الصعود. كان يوسف يمشي إلى جانب رائد، يدعمه بصمت. مرة يقول له: “هون خُطوة كبيرة”، مرة يقول: “استنى شوي.” كان وجه يوسف مركزاً، وفي عينيه يقظة جديدة. لمحتُ شيئاً يتحرّك فيه: كأنّ الصراع الذي كان كله إلى الداخل، وجد فجأة منفذاً للخارج، مهمة محددة، جسداً آخر يعينه بدل الأفكار التي تثقله.

وصلنا إلى الحافة حيث تنتظر مها وسندس مع حمزة. ركض الطفل إلى عمّه وعانقه. وقف رائد على رجله بهدوء. مها نظرت إلى الساق وقالت: “لازم تربطها شوي.” أخذت رباطاً مطاطياً من حقيبتها وربطت برفق. قالت: “بتقدروا تكملوا الدرب السهل لبرّة. إحنا بنمشي وراكم شوي لنتأكد أنكم خرجتوا.”

شكرانا مراراً. تحركا ببطء. مشينا خلفهما. الشمس مالت قليلاً، والسماء صارت أوسع. حين وصلنا إلى المكان الذي تُرى منه القرية، كان البيوت البيضاء الصغيرة تُضحكك بوضوحها. عند السيارة، ودعناهما. رائد قال ليوسف خاصة: “الله يعزك. نظرتك شجاعة.” بدا يوسف كمن تلقى شيئاً ثميناً لا يعرف كيف يحمله.

ركبنا السيارة. الصمت هذه المرة كان مختلفاً، ممتلئاً. طارق كسر الصمت: “مين بده فلافل من أبو طارق؟” ضحكنا. قلت: “كلنا.”

في الطريق، فتحت مها نافذة صغيرة. دخل هواء دافئ، يحمل غبار الطريق وروائح صيفية. كنتُ أرى في المرآة يوسف ينظر إلى يده اليمنى، التي دفعت الحجر عن قدم الرجل، كأنه يتأكد أنها يده فعلاً. ثم أخذ هاتفه. قال: “بعثتلي الدكتورة موعد بكرا الظهر.” رفع رأسه ونظر إلينا. لم يكن في صوته نصرٌ كبير، بل واقعية بسيطة: “رح أروح.”

قلت: “تمام.”

سندس قالت: “وبعدها قهوة عندي.” طارق قال: “وبعد القهوة فلافل كمان مرّة.” مها قالت: “وبعد الفلافل... نوم.”

ضحك يوسف. بقي ضحكه في الجوّ قليلاً، مثل أثر طائرة في السماء.

في الأسبوع التالي، لم نذهب إلى جبل. التقينا عند سور عبدون، في صباح بارد. يوسف جاء بقميص رياضي بسيط، وشعره ممشّط بلا مبالغة. قال: “أول مرة بنام منيح من زمان.” مشينا دائرتين. لم نتحدث كثيراً. أحياناً، كنا نترك خطواتنا تتحدث.

بعدها بأسبوع، صعدنا إلى تلّ آخر، ليس عالياً. يوسف حمل حقيبة صغيرة فيها ماء وفاكهة. عندما توقّفنا تحت شجرة سدر، قال: “اليوم حسّيت قلبي خفيف شوي.” لم نسأله كم خفّ. لم نصفّق. اكتفينا أن جلسنا معه، وقسّمنا تفاحة على خمسة.

لم يكن كل شيء يتحسن. كان هناك أيام ينقطع فيها عن الردّ. كان يعتذر لاحقاً برسائل قصيرة: “يوم صعب.” كنا نكتب: “مفهوم. بدنا نمشي بكرا ساعة العصر.” كانت الخطة الصغيرة تتعثر ثم تمشي. كنا نذكّره بأنه ليس وحده في الدرب: نحن معه، وصوته الداخلي أيضاً معه، لكنه صار يعرف الآن أنه صوت، لا حكم.

مرّت أشهر. في أحد أيام السبت، عدنا إلى شلال راجب. الماء كان أقل، الصيف صار أطول، لكن البركة ما زالت تتلألأ. وقف يوسف عند الحافة ذاتها التي وقف فيها يومها. نظر إلى الوادي. ثم التفت إلينا وقال: “بتعرفوا... ذاك اليوم... كنت قريب أرجع. مو للدرب... للحياة. كنت مستعد أستسلم.” ثم سكت لحظة. كان في عينيه اعتراف بلا تزيين. “بس أنتو... جبتوني معي.”

لم نردّ بجُمل كبيرة. طارق قال: “يلا ننزل. المي بتنادينا.” مها ابتسمت. سندس رفعت كاميرتها. وأنا نظرت إلى يوسف وقلت بصوت خفيض: “وبعد ما نخلص... فلافل؟” ضحك.

نزلنا. الماء كان بارداً كأنه تذكير بأن العالم موجود بقوة. غمسنا أقدامنا، صرخنا قليلاً، ثم سكتنا لنسمع. كان الشلال يتكلم بلغته، بلغتنا. يوسف جلس على صخرة، مدّ يده، لمس الماء. قال: “برده حلو.” كانت جملة بسيطة. لكنها احتوت كل خبرته الأخيرة: أن الحياة تبرد أحياناً لدرجة الوجع، لكنها أيضاً تُنعش. وأنك إذا وضعت يدك فيها، ربما تؤلمك قليلاً، لكنها تُعيد لك الإحساس.

في العودة إلى السيارة، مررنا بصبيّ يبيع زعتر بريّ عند الطريق. اشترينا منه ربطتين. قال يوسف وهو يشمّهما: “ريحة البيت.” سكت قليلاً، ثم أضاف: “ورائحة الطريق.”

كانت الشمس تميل إلى الغروب، الذهب ينسكب على الهضاب. ونحن في السيارة، كنا ندرك أن قصة يوسف ليست ملحمة تُحكى مرة وتنتهي. كانت رحلةً ذات منعطفات إلى الداخل أكثر من الخارج. كنا ندرك أننا لسنا من سينقذه، ولن ينقذ نفسه مرة واحدة وإلى الأبد. لكننا تعلمنا أن البطولة الحقيقية قد تكون في رفع حجر صغير عن قدم رجل غريب، أو في إرسال رسالة قصيرة إلى طبيبة في ظهيرة عادية، أو في قول “أنا محتاج”، أو في المشي خطوتين إضافيتين عندما يثقلك صوتك.

وفي كل سبت تالٍ، كنا نلتقي مجدداً. لم تكن الجبال تتبدّل كثيراً، لكن شيئاً فينا كان يتبدّل. صار يوسف، حين يتعب، يقول: “بدّي أوقف شوي.” فنقف. صار، عندما يشتد صوته الداخلي، يضحك ضحكة قصيرة ويقول: “جايك.” ثم يمشي. وصرنا نعرف جميعاً أن المغامرة الحقيقية لم تكن في الوصول إلى قمةٍ نلتقط عندها صورة، بل في النزول الآمن، معاً، إلى بيوتنا، محمّلين بما يكفي لنعيش أسبوعاً آخر.

كنا خمسة... ثم صرنا، بمعنىً خفي، أكثر. لأن كل واحد منا، وهو يراقب يوسف يقاتل نفسه بحنوّ وإصرار، صار يلتفت إلى صوته الداخلي أيضاً. صرنا نوزّع الثِقَل فيما بيننا، ونضحك أحياناً على أمور بسيطة: فلافل أبو طارق، موسيقى سندس المختلطة، عصا مها، وخرائط هاتفي التي تضللت أكثر من مرة. كنا نعرف أننا سنضلّ أحياناً، كما ضاع رائد بين الحجارة، لكننا سنصرخ بأسمائنا، وسيردّ أحد: “هون.” وسنجد طريقة، على ثلاثة، لنرفع الحجر. ثم نكمل، خطوة بخطوة، بخوفٍ أقل ربما، وبأملٍ أكثر قليلاً. وهذا كان يكفي.

Ask for your own story