Modern life

Once upon a time…

Drawn from: anywhere in the world, Present world story, a random character related to $selectedTheme, like stories called "life and death of a person". Told in Arabic.

وُلد حسام في صباح شتوي صافٍ من عام 1974 في حيٍّ قديمٍ في مدينة الزقازيق. بيت العائلة كان منزلاً طينيًا أضيفت إليه غرف إسمنتية عبر السنين، تتدلى على سطحه أسلاك الغسيل، وتزقزق حوله عصافير الدوري كل فجر. كان أبوه موظفًا بسيطًا في البريد، وأمّه تخيط للنساء قُمصان البيت والعباءات في غرفة صغيرة تنبعث منها رائحة النشاء. تربّى حسام بين ثلاثة إخوة وأختين، وكان الوسط بينهم: لا هو الأكبر فيُخشى جانبه، ولا الأصغر فيُنادى بالدلال. بدا منذ صغره ميالًا للصمت، لا يشتبك في شجارات كرة الشارع، وإنما يقف على الطرف، يتابع بعينيه الواسعتين ويبتسم إذا ضحك الكبار.

في المدرسة، لم يكن متفوقًا ولا فاشلًا. سُجل اسمه في دفاتر المدرّس مثل أغلب أبناء الحي: درجات متوسطة، خطّ حسن، غيابات قليلة، وملحوظات من قبيل “هادئ” و“محترم”. عرفه أصدقاؤه بأنه يسمع أكثر مما يتكلم، يلتقط النكات المتناثرة على طرف الطاولة، ويضعها في قلبه كأنها حبات مسبحة. في الصف الثاني الإعدادي، فقد والده فجأة إثر أزمة قلبية مفاجئة، في ظهيرة حارة من يوليو. حملوه في سيارة نصف نقل مكسوة ببطانية، وعاد الرجال بعد الدفن صامتين، بينما جلست الأم تُمسك مسبحتها وتقول: “لا إله إلا الله”. تلك الليلة، تغيّر شيء في حسام، أو هكذا بدا لمن عرفوه: صار يخرج باكرًا، يساعد أمّه في قضاء الشؤون، يذهب إلى البريد ليوقّع على أوراق المعاش، ويقف في طابور الخبز من الخامسة فجرًا.

بعد الثانوية، لم يسعفه مجموعه لدخول كليات القمّة، فالتحق بمعهد فني صناعي في بنها. عاش في غرفة صغيرة مع ابن خالته، يتعاركان على موضع المروحة في قيظ أغسطس، ويطبخان الأرز والخضار على موقد كهربائي يئنّ عند اشتعاله. هناك، تعلّم حسام شيئًا جديدًا: أن يصنع لنفسه مكانًا في العالم، ولو كان صغيرًا. كان يمشي إلى المعهد على ضفة الترعة، يشتري فطيرة ساخنة من عربَة بدائية، ويشرب الشاي الثقيل في كوب بلاستيكي يترك الأثر على أصابعه. مجرد روتين، لكنه ربط خطواته بالحياة كأنها سجادة طويلة ينسجها بإبرة صبر.

تخرج عام 1995، فعاد إلى الزقازيق يعرض سيرته على الورق المقوّى، مطويًا بعناية في ملف بلاستيكي أزرق. رفضوه أولاً في مصنع النسيج لاستغنائهم عن العمالة. قال له المدير: “الدنيا صعبة يا ابني”. وفي ورشة نجارة في أطراف المدينة، تولى لفترة وجيزة تفصيل المطابخ، وتعلّم كيف تُقاس الزوايا وكيف تُثبت المفصلات بإتقان. لكنه لم يدم طويلاً، إذ بدا أن رئتيه تبغضان نشارة الخشب. يسعل ليلاً، فتغلي أمه النعناع وتنفخ فيه لتُبرده. وفي النهاية، جاءته فرصة في شركة صغيرة للمصاعد، فراح يتعلم تركيب الأبواب وتشغيل الأنظمة الكهربائية، يصعد إلى الطوابق مع زملائه على سلالم باهتة اللون، يشدّ البراغي ويختبر الفرامل.

في الموقع، تعرّف على عالم آخر: عمّال يكتمون الرعب بابتسامة، ومقاول يعدهم بقروش إضافية ثم يتظاهر بالنسيان. كلمة “بكره” تُؤجل الأجر، و“بعد الضهر” تُؤجل الراحة. ومع ذلك، في المساء، حين يعود إلى البيت وينتزع من قدميه حذاء العمل، يشعر بانتصار صغير: المصعد تحرّك، والناس صارت تصعد وتهبط بسلاسة. كان ذلك يكفيه.

التقى بسارة في عرس جارتهما سناء. كانت معلمة لغة عربية في مدرسة ابتدائية حكومية، ابنة لأسرة تمتلك مكتبة صغيرة على ناصية الشارع. رآها تُصلح سلك ميكروفونٍ معطّل وتضحك على فشل المنسّق الموسيقي. جلس قربها، وتكلّم للمرة الأولى أكثر من خمس دقائق متصلة: عن المصاعد، عن مشكلة الكهرباء في أدوار السطوح، وعن سماء الليل عندما ينظر إليها من فتحة السطح قبل تركيب الحواجز. ضحكت، وقالت: “يعني أنت تشوف الدنيا من فوق.” قال: “وأحيانًا من الحفرة تحت كمان.” تبادلا أرقام الهواتف الأرضية، وبدأت أمّه تسأله عند المغرب: “كلمت حدّ؟” وهو يرفع كتفيه ويتظاهر باللا مبالاة.

خطبها في صيف 2001. حفلة بسيطة على سطح بيت العائلة، زينات ورقية تتراقص مع النسيم، وأطباق كُشري وأرز مع الشعرية، وغناء من مذياع قديم، والمصابيح الصفراء تُلقي ظلًّا لطيفًا على وجوه الأقارب. قال أبو سارة، وهو يسلّم يدها بحياء: “أوصيك بها.” قال حسام: “على راسي.” انتقلا إلى شقة متواضعة في الدور الرابع من عمارة قديمة لا مصعد فيها، وهو الأمر الذي بدا ساخرًا لسكان الحي. كانوا يضحكون: “بتاع مصاعد وعايش في دور رابع!” وكان يضحك معهم ويقول: “عندي مشروع.” ولم يكن يكذب. بعد عامين، استطاع أن يجمع ما يكفي لتركيب مصعد صغير للعمارة، اشترط على المالك أن يخصم من الإيجار المستقبلي تكلفة التركيب، فوافق الرجل على مضض. صار جيرانه يذكرون اسمه بالخير في كل مرة يضغطون زر الطابق.

أنجبا سلسبيل أولاً، ثم كريم بعد ثلاث سنوات. كبرت سلسبيل بنتًا يشعّ وجهها ضحكًا، تحب الرسم وتعلّق على الحائط رسومات لبيوت لها نوافذ كبيرة وسمك يسبح في السماء. كريم كان حادّ الطباع قليلًا، يسأل أسئلة كثيرة عن كل شيء: لماذا المصعد يوقف لو الكهرباء قطعت؟ لماذا بعض الناس يصرخون بداخله؟ كان حسام يُجيب: “عشان الخوف ساعات بيكون أشد من أي شيء.” ويضمه إلى صدره.

انقضت سنوات الرئيس السابق ثم الثورة على شاشات التلفاز مثل أفلامٍ مبهرة. شارك حسام في مظاهرة واحدة في ميدان المدينة، ثم عاد مبكرًا لأنه خاف أن يختبئ عنه القدر في زحمة الناس. كان يقول لسارة: “أنا بتاع رزق يوم بيومه. المظاهرات مش شغلي.” لم يُدن ولم يُمجّد، لكن قلبه خفق عندما رأى الشباب يهتفون، تذكر دفن أبيه ومشهد الرجال الصامتين، تذكر أن الحياة قد تغيّر اتجاهها فجأة دون إنذار.

كبرت شركته الصغيرة مع زميل له، شكلا فريقًا من أربعة عمّال، يتنقلون بين المدن في ميكروباص أبيض مستعمل، في الخلف صناديق أدوات، وبكرة حبال سميكة، ومسامير وأزرار مضيئة. كانوا يركبون المصاعد في مدارس ومستشفيات خاصة ومنازل فارهة أحيانًا، وفي عمارات سكنية على أطراف العاصمة، حيث الجدران حديثة الدهان والرائحة لاذعة كأنها تبكي من جديد. يُربي حسام علاقة ودية مع حراس العمارات، يعرفهم بالاسم، يجلس معهم على الرصيف يشرب شاي الكشري في أكواب زجاج نحيلة، يضحك معهم عندما يمزحون عن سكان الطوابق العليا.

في عام 2015، أصيب بوعكة في ظهره وهو يحاول تثبيت ثقلٍ معدني فوق السطح. سمع صوتًا مكتومًا في أسفل عموده الفقري، كأنه انكسر داخله وترٌ قديم. جلس متكئًا على الحائط وأغلق عينيه. لثلاثة أسابيع راح يضع قربة ماء ساخن على ظهره كل مساء. قالت له سارة: “لازم دكتور.” قال: “هنروح.” ذهب. الطبيب أعطاه مسكنات ونصحه بالراحة. لكن العمل لا يرحم، والزبائن لا ينتظرون شفقتك. عاد إلى المصاعد، لكن بحذر أكبر، يطلب من الشاب الأصغر سنًا أن يرفع الثقل، وينحني بنفسه أقل.

في إحدى الليالي الباردة من ديسمبر، تعطّل المصعد في عمارة قديمة بوسط المدينة. سيدة كبيرة في السنّ عالقة بين طابقين. اتصلوا به في العاشرة مساءً. ارتدى معطفه المنهك، وخطى في الشارع المبتلّ. في العمارة، وقف الناس متوترين. طرق باب المصعد وقال بصوت هادئ: “مع حضرتك. ولا يهمّك.” أخبرها أن تتنفس ببطء وأن تُبعد يدها عن الباب. بدأ يفكّ البراغي، يتحدث إليها طوال الوقت عن أشياء صغيرة: عن المطر، عن القمر المختبئ خلف الغيم، عن رائحة الشوربة من شقة الدور الأول. بعد ثلاثين دقيقة، فتح الباب قليلاً، ثم وسّعه. ساعدها على الخروج. بكت المرأة، وقالت: “ربنا يسترك زي ما سترتني.” غمز لحارس العمارة: “هاتلنا حاجة سخنة.” شرب الشاي ساخنًا حتى آخر رشفة، وعاد إلى بيته بعد منتصف الليل، خفيفًا كأنه أنهى رسالة قديمة.

مرت السنوات تنحت فيه طبقات من التعب والرضا. سلسبيل دخلت كلية الفنون الجميلة. كريم حصل على دبلوم صناعي ثم قرر أن يسافر إلى الخليج يعمل مع قريب لهم في صيانة المصاعد. لم يُعارض حسام كثيرًا رغم قلق الأم. قال لابنه في المطار: “خليك فاكر كل حاجة اتعلمتها. والأمان قبل أي حاجة.” احتضنه طويلاً ثم عاد إلى البيت صامتًا، وأمّه تمسح عينيها وتقول: “ربنا يسهّل.”

وقت جائحة كورونا، توقفت أجساد المدينة فجأة، وعمارات كثيرة سكنت مصاعدها مثل أفواه مغلقة. اتصلت مستشفيات تطلب صيانة عاجلة. كان يخرج مرتديًا كمامة قماشية صنعتها له سارة، ويضع في جيبه زجاجة صغيرة من الكحول، ويعود يغسل يديه بالصابون كأنه يغسل خطيئة. في الليل، يسمع صفارات الإسعاف، يفكر في هشاشة كل شيء. في ربيع ذلك العام، أصيب بسعال خفيف وحرارة يومين. لم يذهب إلى المستشفى، اكتفى بالراحة. بعد أسبوع، خرج إلى العمل مُنهكًا لكنه مبتسم.

في خريف 2021، جاءه مشروع كبير في العاصمة الجديدة: تركيب أربعة مصاعد في عمارتين متجاورتين. كان ذلك الحلم الذي يتردد في رأسه منذ بدأ العمل: مشروع واحد يجمع منه ما يكفي لسداد ديونه وتبديل الميكروباص العجوز، وشراء جهاز غسالة جديدة لسارة. أمضى شهرين بين الحديد والخرسانة، بين المهندسين الصارمين والعمال المتعجلين. في صباح يوم الخميس، أتمّ تركيب آخر كابينة، شدّ البراغي في مكانها، ومسح بكمّه بقايا الزيت على لوحة الأزرار، ضغط زر الهبوط فسمع صوت المحرك ينهض مثل حيوانٍ أليف. ابتسم. خرج إلى الشارع لينهي مستحقاته من مكتب المقاول. صافح الرجل، وأخذ ظرفًا بنيًا مليئًا بالنقود، وخرج.

بينما عبر الشارع، سمع صوت فرامل حاد، وارتفع صراخ. سيارة مسرعة انزلقت على الإسفلت المبلل بعد مطرٍ خفيف، فصدمت عابرًا عند طرف الطريق. كان العابر رجلاً نحيفًا يحمل صينية طعمية على دراجة. ارتطم بالرصيف وتبعثرت الأقراص الساخنة. توقّف حسام لحظة، نظر حوله، رأى صاحب الدراجة يتلوّى ويشهق. من بعيد، لمحت عينه سيدة تنظر من نافذة الدور الأول وتضع يدها على فمها. بدا للحظة أن العالم تجمّد. ثم انطلق حسام يركض. رمى الظرف في جيب داخل معطفه، واندفع نحو الرجل المصاب. السائق الشاب خرَج من السيارة وهو يرتجف، يقول بسرعة: “ماقصدش! ماقصدش!” تجمع الناس. أحدهم قال: “هاتوا الإسعاف.” آخر صرخ: “ماحدش يلمس حاجة.” ووسط الفوضى، جلس حسام على ركبتيه جانب المصاب، وضع يده تحت رأسه بحذر، نظر إلى عينيه وقال: “ركز معايا. تنفّس. معايا؟” كانت الرائحة تختلط بين المطر والبنزين والدمّ.

جاءت سيارة الإسعاف بعد دقائق بدت ساعات. ساعدهم حسام على رفع الرجل إلى النقالة. قبل أن يغلق الباب، قال المسعف: “حد يطلع معاه؟” السائق الشاب تراجع خائفًا، ارتجفت شفتاه. نظر حسام في عيون الرجل المصاب، رأى فيها شيئًا من وجه أبيه ليلة رحيله، شيئًا من مخاوف كريم وهو يطير إلى الغربة، شيئًا من صبر سارة حين تخيط قماشًا متعبًا. قال: “أنا هاجي.” صعد إلى الإسعاف. انطلقت العربة وصفّاراتها تمزّق هواء الشارع. في الطريق، وضع المسعف قناع أكسجين على فم الرجل، ضغط على جرحٍ في جانبه. حسام أمسك يده. قال: “أنا معاك. شد حيلك.” كان يظن أنه في مهنته يعرف الخوف، لكنه اكتشف الآن وجهًا جديدًا له، أكثر برودة.

في المستشفى، أدخلوا الرجل إلى غرفة الطوارئ. وقف حسام خارجًا ينظر إلى الأرض، يفتح ويغلق هاتفه، يريد أن يتصل بسارة ثم يؤجل، كأنه لا يريد أن ينقل صدى الدمّ إلى البيت. بعد نصف ساعة، خرج طبيب في معطفه الأبيض ووجهه مغطى بالكمامة. قال: “الحمد لله، لحقناه. عنده نزيف داخلي بسيط وكسور، بس هيعدّي إن شاء الله.” شعر حسام بثقلٍ ينسحب من صدره. اتصل بالسائق الشاب، الذي كان قد أخذ سيارته وهرب خوفًا من الشرطة. لا جواب. تنفّس حسام ببطء، ثم تذكر الظرف في جيبه. وضع يده داخله: دافئ، ممتلئ. جلس على كرسي بلاستيكي متهالك في الممر، أخرج الظرف، عدّ النقود بعينيه من فوق. كان المبلغ يكفي لسداد ديون ثلاثة أشهر ولشراء الغسالة الجديدة. تذكر ثمن العلاج للمصاب، تذكر أن أهله ربما لا يملكون. لكنه في تلك اللحظة لم يقرّر شيئًا. فقط أعاد الظرف إلى جيبه ونهض.

عندما عاد إلى البيت في المساء، حكت له سارة أن سلسبيل أرسلت لها صورة لوحة جديدة: سلم يؤدي إلى سماء زرقاء. ضحك بخفّة. جلسا يتعشّيان فولًا وجبنًا وشرائح طماطم، وهو يحكي لها ما حدث باقتضاب، يخفف من الفزع، ويزيد من الطمأنينة. قالت: “ربنا كبير.” وقال: “كبير أوي.”

في اليوم التالي، عاد إلى المستشفى ومعه كيس فيه فاكهة وبعض العصير، يسأل عن الرجل المصاب. عرف من الممرضة اسمه: عماد، أب لثلاث بنات، يعمل على دراجته يوزّع فطورًا على الدكاكين. وجد أخاه جالسًا على كرسي في الممر، مشتّت النظرات. قال له حسام: “أنا اللي ركبت معه الإسعاف.” شكره الرجل بحرارة. تردد حسام لحظات، ثم أخرج الظرف. قال: “دي كانت مستحقاتي. أنا خلاص الحمد لله. خليه للعلاج لو تحب.” نظر إليه الأخ بدهشة. قال: “لا يا بيه! دا كتير.” هزّ حسام رأسه: “أنا اللي لسه واخد شغلتين كويسين. خدوها دلوقتي، وربنا يعوض.” لم يُجبرهم، لكنه ترك الظرف في يد الرجل وغادر قبل أن يُثنوه.

عاد حسام إلى أعماله، خفيفًا ومثقلاً في الوقت نفسه. صار يتفقد الطريق عندما يعبر، ينظر يمينًا ويسارًا مرة ومرتين، يشعر كأن فاصلة غير مرئية انزرعت في جملة أيامه. بعد أسابيع، اتصل به أخو عماد، ألحّ عليه أن يأتي يأخذ ما يستطيع من المبلغ بعدما ساعدتهم الجمعيات الخيرية. رفض حسام بلطف. قال: “اعتبروه دينًا عند ربنا.” وضحك ليهدي الحديث.

بعد عام، ومع بداية صيفٍ قائظ، اشتكى حسام من ألم متكرر في صدره. ابتدأ كحجر صغير يستقر بين ضلعين، ثم صار ينتشر كحبرٍ في الماء. أصرّت سارة على طبيب قلب. في العيادة، جلس تحت جهاز رسم القلب، والورق يخرج وعليه أسنانٍ سوداء حادة. الطبيب شاب مهذّب العينين، قال له: “هنطمن. بس في شوية علامات محتاجة متابعة.” طلب قسطرة تشخيصية. خاف حسام، لكنه لم يُظهر خوفه. قال لابنته سلسبيل: “موضوع بسيط. هتلاقيني راجع أزنّ على ودنّك بسرعة.” ضحكت في الهاتف رغم أنها في مدينة أخرى، وقالت: “أنا هارسم لك قلب جديد.” ضحك.

في المستشفى، وضعوا إبرة في ذراعه، وألبسوه ثوبًا أزرق مفتوحًا من الخلف. رأى الرجال حوله في الأسرة يتهامسون، ويعدّون أيامهم بالأرقام: أول يوم، ثاني يوم، خروج بعد بكرة. دخل غرفة القسطرة. الضوء أبيض شديد. البرد خفيف لكنه صارخ. رفع ذراعه، شعر بوخزة ثم دفء زاحف. قال الطبيب: “متقلقش. هنشوف.” رأى على الشاشة أنابيب دقيقة، ظلال شرايينه مثل أشجار يابسة. سمع الطبيب يقول لزميله: “هنا تضيق شديد.” ثم قال له: “هنركب دعامة.” رفع حسام حاجبيه ثم أومأ. مرّت دقائق طويلة، وجرسٌ داخلي يرنّ في أذنه. تذكّر سلسبيل وهي طفلة تُحضّر له كرتونةً مليئة برسومات قلوب، وتذكّر كريم وهو يحمل حقيبته إلى المطار، وتذكّر سارة وهي تقف أمام المرآة تعدّل غطاء رأسها وتقول: “خليك فاكر تاكل قبل ما تنزل.” فجأة، شعر بنعاس غامر.

استيقظ على وجه سارة المشع قلقًا وارتياحًا معًا. قالت: “عدّت على خير.” ابتسم. أمضى ليلته في المستشفى، يستمع إلى شخير رجل في السرير المجاور، يشاهد نقط الضوء على السقف كنجوم بلا سماء. في الصباح، جاء الطبيب، شرح له نظام الدواء، أكد على المشي الخفيف والغذاء القليل الدسم. خرج حسام يمشي ببطء، يتكئ على ذراع سارة نحو السيارة. في الطريق، أوقف البائع المتجول لشراء ذرة مشوية، فضحكت سارة: “يا راجل! لسه خارج من المستشفى.” قال: “ذرة واحدة. نضربها نصين.”

عاد إلى عمله شيئًا فشيئًا، لكن بحرص. يرسل الشبان أولاً إلى المواقع، ثم يمرّ عليهم للمراجعة. صار يُعلّم أكثر مما يحمل. قال لزملائه: “الشغل النضيف ينقذك من المصايب.” وكرّر على أحباله الصوتية جملةً واحدة: “الحياة مش مستاهلة عجلة الزيادة.” كان يخرج فجرًا ليتمشّى حول الملعب الترابي القريب، يشمّ هواء الصباح، ينظر إلى أقدام الأطفال الراكضة للمدرسة. شعر بأنه ينتمي إلى هذا الهدوء أكثر من قبل.

في ذات خميس بعد الظهر، كان في عمارة قديمة يراجع أسلاكًا في غرفة ماكينة مصعد، يصحبه صبي جديد اسمه محمود. الغرفة ضيقة، السقف منخفض، الماكينة تدور برفق. طلب حسام من محمود أن يُعطيه مفكًا، ثم انحنى ليتفحص ترسًا. فجأة، قطع التيار الكهربائي لثوانٍ ثم عاد بقوة، فتذبذب المحرك. قفز حسام سريعًا وابعد يده، لكن صورة خاطفة هزت قلبه أكثر من أي شيء: ماذا لو كانت يده عالقة؟ ماذا لو كان محمود وحده؟ تمالك نفسه. قال بهدوء: “خلاص. هنقفل ونكمّل بكره.” خرج مع محمود إلى السطح. كانت السماء برتقالية، الأفق يذوب فيه ضوء الشمس المتعبة. جلسا على الحافة، شربا زجاجتي مياه، سمعا الآذان يأتي مرقّقًا من مساجد بعيدة وقريبة. قال محمود: “أنت يا عم حسام، إزاي حافظ أعصابك كده؟” ابتسم حسام: “عشان شفت اللي يخوّف بجد. والباقي كله بيعدّي.”

بعد أيام قليلة، جاءته مكالمة عند الفجر. صديق قديم يبلغه أن عماد، الرجل الذي أنقذه يوم الحادث، يبحث عنه. اتصل حسام بالرقم، جاءه صوت نسائي خافت: “أنا زوجة عماد. زوجي دايمًا يذكرك. عايزين نطمن عليك. ونحب نزورك.” اتفقا على موعد. جاء عماد يمشي بعصا خفيفة، وجهه شاحب لكن عينيه تعكسان حياة جديدة. جلسوا في الصالون البسيط. قدّمت سارة الشاي والبسكويت. قال عماد: “أنا يمكن معرفتكش يومها كويس. بس لو لاك... يمكن كنتش هنا.” ضحك بخجل. ثم مدّ يده بكيس صغير. قال: “دي هدية بسيطة. بناتك يفرحوا بيها.” فتح حسام الكيس فوجد قطع شوكولاتة وحلوى للأطفال. قال: “ما كانش لزوم.” رد عماد: “الذمة لسا فيها ناس.” تبادلا الدعوات، والتقطا صورةً بهاتف قديم، ظهر فيها حسام واقفًا كتفه ملاصقًا لكتف عماد، ابتسامتان تعبّران عن شيءٍ لا يمكن تسميته بسهولة.

أواخر ذلك العام، سافر كريم في زيارة قصيرة من الخليج. كان نحيفًا أكثر، سُمرته زادت، ضحكته أسرع. في أول ليلة، جلسوا جميعًا على السطح، كما كانوا يفعلون قديمًا، أطلقوا طائرات ورقية صغيرة كانت سلسبيل قد رسمتها. ضحكوا وهم يحاولون منع الخيط من الالتفاف حول طبق الدش. قالت سارة: “يا خسارة! لو أبوك شافك يا كريم إنت بتطلع وتنزل في المصاعد هناك.” قال كريم: “أنا كل ما أركّب باب، أفتكر أول باب ركّبته معاه.” وأشار برأسه إلى حسام. ابتسم الأب، لكنه في داخله شعر باهتزازٍ خفيف في نبض صدره. لم يقل شيئًا. يصغي إلى دقات قلبه كأنه يسمع طبلًا بعيدًا في عرس قديم.

في صباحٍ رمضاني من ربيع العام التالي، استيقظ مبكرًا ليوصل سارة إلى السوق. الطريق كان هادئًا، الشمس في بداية صعودها تغيّر الألوان رويدًا. وقف أمام دكان خضار، اشترى باذنجانًا وطماطم وخيارًا، حمل الأكياس بنفسه. قال للبائع: “خفّ على أم العيال في الميزان.” ضحك البائع: “كلنا على الله.” في العودة، مرّا على كورنيش صغير يطل على ترعة هادئة. قال حسام: “ننزل خمس دقايق؟” نزلوا. جلسوا على مقعد خرساني، شاهدوا الماء يمضي بلا ضوضاء. كان الوقت يسيل مثل عسلٍ خفيف.

واحدة ظهرًا، عاد إلى البيت، توضأ وصلى الظهر. جلس قليلًا في الصالون، جهاز التلفاز منخفض الصوت يبث تلاوة. أغمض عينيه ليستريح. سارة في المطبخ، تقطع الخضار، تتابع برنامجًا يعلّم وصفات بسيطة. رنّ هاتفه. رقم زبون قديم، يريد استشارة في مصعد يتعاطى الكسل كثيرًا. تحدث حسام بهدوء، وعده أن يمرّ بعد المغرب. أنهى المكالمة، أحس بوخزة صغيرة في صدره، ليست جديدة تمامًا لكنها أشد قليلًا. مسح عرقًا خفيفًا على جبينه، ابتسم لسارة عندما سألته: “كل تمام؟” قال: “تمام يا ستّي.”

عند العصر، خرج إلى الشارع ليمرّ على زبونه ثم يعود للإفطار. الجوّ ساخن لكن نسمة خفيفة كانت تعبر الأزقة على استحياء. مرّ على محل أبي سارة القديم، سلّم على الحارس الذي صار عجوزًا، ضحكوا، تبادلوا ذكريات عن الوجوه التي غابت. وصل إلى العمارة المقصودة. صعد الدرج لأنه كان في الدور الثاني فقط. باب المصعد مفتوح، صوته مكتوم كأنه يتثاءب. وضع حقيبته على الأرض، بدأ يفحص لوحة التحكم. قال لصاحب الشقة الذي وقف يراقب: “هنبدّل الكابل ده. وننضف الكنتاكت. بسيطة.” جلس القرفصاء، اشتغل بتركيز.

لا أحد سيعرف بدقة متى بدأ الألم يكبر. هل كان قبل ذلك اليوم بدقائق، أم منذ سنوات وهو يبني عشه في قلبه؟ ما هو معروف أن حسام، وهو يهمّ بربط سلك صغير، توقف لحظة، رفع يده إلى صدره، ثم أغلق عينيه. سقط على جانبه بهدوء، كأنه قرر النوم في غير أوانه. صاح الرجل: “يا ناس! يا ناس!” نزل الجيران، ركض عامل البقالة من تحت، جاءت سيدة تحمل زجاجة عطر كحولية، مسحت على جبينه، أحدهم اتصل بالإسعاف. كان وجه حسام ساكنًا دون ألم صارخ، فمه نصف مفتوح، كأنه يهمّ بأن يقول شيئًا ثم تراجع.

وصلت سيارة الإسعاف بعد تسع دقائق. تسع دقائق طويلة كعمر. حملوه، حاول المسعف الإنعاش القلبي الرئوي، عدّ بأصابع ثابتة، قال لزميله كلمات قصيرة يعرفها جيدًا. رفعوا جهاز الصدمات. جسد حسام ارتفع ثم عاد، كقاربٍ صغير تتلاعب به موجة. في الطريق، كان زجاج النافذة يعكس سماء العصر القاحلة. في المستشفى، دارت العجلة السريعة المعهودة، أطباء وممرضون، أجهزة وأرقام، احتمالات لا تُحكى. ثم دخلت سارة مع أخيه الذي جاء راكضًا على خبرٍ غادر. جلست على كرسي في الممر، يداها تشدّان حافة المنديل حتى كادت أن تقطعاه. فوق رأسها، على الحائط، آية مكتوبة بخطٍ أخضر باهت: “وبشر الصابرين.” لكنها لم تكن تفكر في أي بشارة. كانت تفكر فيه وهو يمشي جنبها صباحًا على الترعة.

خرج الطبيب بعد وقتٍ لا يُقاس بالساعات. كان صوته دافئًا كالمطر قبل أن ينهمر: “أنا آسف.” ثم جملة قصيرة لا تحتاج إلى مفسّر: “القلب توقّف.” سمعت الكلمات كأنها جاؤوها من آخر الشارع. في داخله، تفتت شيء. لم تصرخ. فقط وضعت يدها على صدرها، كأنها تطمئن على قلبها هو أيضًا.

وصل كريم بعد يومين من بلاد بعيدة. في المطار، قام بإجراءات سريعة، ترك حقائبه في سيارة صديق، وركض إلى البيت. استقبله الباب الصامت، رائحة طعام قديم وورود ذبلت فجأة. سلسبيل كانت هناك، عيناها محمرتان، تبكي دون صوت. حضن أخته، ثم دخل الغرفة التي وضعوا فيها جسد أبيه قبل الدفن. نظر إلى وجهه المسجّى، المنديل الأبيض على جبينه. لمس يده الباردة. قال: “يا بابا.” لم يعرف ماذا يقول بعدها. تذكر آخر حديث بينهما، حين أوصاه بالرفق في المصاعد لأن الحديد لا يلين، وأن الناس تلين. تذكر ضحكته الخفيفة، وأسلوبه البسيط في قول الأشياء الكبيرة.

الجنازة خرجت من المسجد الكبير بعد صلاة العصر. الحي كله خرج، رجال ونساء، زملاء العمل، عمّال، جيران قدامى، وأطفال يعرفون “عم حسام” الذي كان يضع لهم قطع سكاكر في جيبه. حملوه على الأكتاف، ومشى القريب والغريب خلف النعش. دعا إمام المسجد له دعاءً صادقًا، ذكر فيه “من قضى حوائج الناس.” في المقبرة، سمعوا التراب وهو يسقط خفيفًا أول الأمر ثم أثقل. وقف كريم بجانب الحفرة، وقفت سارة خلفه تمسك بمنديلها بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها. سلسبيل قرأت في سرّها سورة قصيرة، ثم نظرت إلى السماء.

بعد أيّام العزاء الأولى، عاد البيت إلى روتينه المهتزّ. الغسالة الجديدة التي كان يقصد شراءها لم تُشترَ بعد. على المكتب، ظرف صغير فيه إيصال دفعة من عميل قديم، ومفاتيح ميكروباص أبيض يحتاج إلى زيت. في الدُرج، دفتر قديم دوّن فيه حسام ديونه ومواعيد أعماله: أسماء، تواريخ، ملاحظات مثل “الست في الدور الخامس تِخاف. أخلص بدري.” و“حارس العمارة عايز قهوة سادة بكرة.” قرأ كريم الدفتر وكأنه نهرٌ من حياة أبيه. قال لسارة: “أنا هكمّل.” قالت: “بس بالراحة. وافتكر وصيته.” أومأ، وفي عينيه تلك اللمعة التي تحمل خوفًا ومسؤولية وفراغًا سيملؤه بالمشي على أثر خطوات قديمة.

زاره عماد بعد أسبوع، دخل البيت بحرج، وضع في يد كريم ظرفًا صغيرًا. قال: “دي مش فلوس. دي ورقة.” فتح كريم الظرف فوجد صورة قديمة التقطوها في بيتهم، يوم جاء عماد يحمل الحلوى. ظهر حسام مبتسمًا، كتفه ملاصق لكتف عماد. على خلف الصورة، كتب عماد بخطٍ غير متقن: “الرجولة ما بتموتش.” مسح كريم دمعة سريعة، وقال: “ربنا يرحمه ويرحمنا.”

مرت الشهور. سلسبيل تخرّجت، ورسمت لوحة كبيرة علّقتها في الصالون: سلمٌ قديمٌ من حديد مصعد، يتفتح في نهايته ضوء أبيض، وفي داخله أشكال بشرية صاعدة وهابطة كأنها أنفاس. كل من رأى اللوحة توقّف قليلًا وقال: “دي حلوة.” سارة صارت تستيقظ مبكرًا، تُعدّ شايًا أقلّ سكّرًا، تجلس على الكرسي الذي كان يجلس عليه حسام، تنظر عبر النافذة إلى الصباح بالعادات نفسها لكن بغيابه الحاضر. كانت تحكي عنه لمن يزورها: أنه كان يسمع أكثر مما يتكلم، أنه أعاد مصعد عمارة إلى الحياة في ليلة مطر، أنه أنقذ رجلاً وأعطى أجره ولم يقل لأحد، أنه أحبّ أولاده بطريقةٍ ساكنة لكن لا تُخطئها عين.

كريم بدأ العمل في الزقازيق، حمل الميكروباص القديم إلى الورشة، غيّر زيتًا وأحزمة، علّق مسبحة صغيرة على المرآة. في أول موقع له دون أبيه، ارتبكت يده قليلاً ثم ثبّتت نفسها. تذكر جملة أبيه: “الأمان قبل أي حاجة.” كان يوقف العمل إذا تعب، يعتذر للزبون ولا يخجل. الناس أحبّوا صدقه. صار اسمه يمتد بحذر ولكنه يمتد. وفي يومٍ من الأيام، عندما كان يقف في غرفة ماكينة فوق سطح عمارة، سمع الأذان يأتيه من بعيد، وقف ووضع يده على قلبه، ليس لأن به ألمًا، وإنما كأنه يربت على ذاكرةٍ عليلة.

حياة حسام لم تكن بطول ملحمة ولا بأحداث عظيمة في نشرات الأخبار، لكنها كانت الحياة التي يدبّ فيها رجلٌ بين الناس كبسمة مارة، كيدٍ تُفتح لتعين ولا تُغلق لتضمّ، كصوت زرٍ مضيء في مصعدٍ مطمئن يقول: اطمئن، ستصعد. وحين مات، لم تغلق الحكاية بابها فجأة. ظلت تُحكى في مساءات كثيرة: على سلالم العمارات، في غرف الماكينات ذات الرائحة الزيتية، في مطابخ يعلو منها صوت القدور، وفي قلوب من عرفوه دون أن يعرفوا كيف يعبّرون.

في ذكرى وفاته الأولى، جمعت سارة أفراد العائلة على السطح. ذبحت فرخة صغيرة، أقامت مائدة بسيطة. دعت عماد وعائلته. جاءوا ببناته الثلاث، ضحكن بخجل، قدّمن لسارة باقة من الريحان. قرؤوا الفاتحة، ثم أطلقوا طائرة ورقية صنعتها سلسبيل من ورق أبيض رسمت عليه ملامح سلمٍ صاعد نحو نقطة ضوء. صعدت الطائرة بخيطٍ يمسك به كريم. قالت سارة وهي تنظر إلى السماء: “هو بيحب العالي.” ضحكوا. ثم صمتوا، وكلٌّ منهم يرى في ذلك الضوء شيئًا من حسام، الرجل الذي عاش كما تعيش الأشياء الثابتة: بلا ضجيج، وبلا ادعاء، وبلا انتظار لشيءٍ من أحد.

في ذلك المساء، حين نزلوا إلى البيت، مرّت سارة بيدها على الحائط جوار المصعد. لمسَت حروف اسمه التي خطّها كريم بقلم رصاص رفيع: “حسام بدر — 1974-2023.” لم تبكِ. فقط شعرت أن الحائط دافئ. دخلت إلى البيت وأغلقت الباب بلطف. في الخارج، ظلّت لمبة الطابق الرابع تومض لحظات ثم تستقر، مثل قلبٍ يتعلم مرة أخرى كيف يدق في ضوءٍ جديد.

Ask for your own story